ملف ( الوحدة اليمنية )
- في العهد القديم
- في موكـب الإسـلام
- في عهـد الأئمـة
- في العهد العثماني والاستعمار البريطاني
- في عهـد الثورة اليمنيـة
المنشور في كتاب
(الموسوعة اليمنية)
(الجزء الثاني)
يحيى بن حسين العرشي
في العهد القديم:
اليمن منذ أقدم العصور وحدة بشرية، وجغرافية وسياسيـة واقتصادية وحضارية واحدة، وهذه الحقيقـة لا تنفي أن اليمن كما هو الحال في الماضي بالنسبة لكثير من البلدان، قد عرف خلال مراحل من تاريخه وجود عدة دول تحكم في آن واحد منفصلة أو متداخلة.
ورغم أن كلاً من دولتي سبأ وحمير في أوج ازدهارهما شمل حكمهما اليمن جميعه تقريباً، بل أنه امتد على مناطق أخرى خارج اليمن، إلا أنه بسبب التنافس القبلي أو حب السلطة؛ أو لطبيعة الواقع الجغرافي، أو طبيعة وسائل الاتصال والتواصل في الماضي القديم لم تتمكن الدولة المركزية من بسط نفوذها على أنحاء البلاد دائماً، لذلك فقد عرف اليمن حكم عدة دول وإمارات يمنية في وقت واحد، تقيم كل دولة أو إمارة حكمها وتبسط نفوذها في منطقة محدودة من بلاد اليمن ، وتحارب الدول والإمارات الأخرى بغية إخضاعها وبسط نفوذها عليها، كدولة معين، ودولة قتبان، ودولة حضرموت، ودولة أوسان.
إن أقدم المعلومات المعتمدة التي وصلتنا إلى الآن تدل على أنه كان في اليمن كيان سياسي كبير، وحضارة راقيـة منذ القرن العشرين قبل الميلاد. وتقترن هذه المعلومات بدولة سبأ التي يمثل تاريخها عمود التاريخ اليمني القديم، إذ ليس في ذلك التاريخ ما يضاهي تأريخ دولـة سبأ وتاريخ حضارتها، وما تلك الدول التي تذكر معها سوى تكوينات سياسيـة كانت تدور في الغالب في فلكها. ترتبط بها حيناً، وتنفصل عنها حيناً آخر، مثل دولة معين ، وقتبان ، وحضرموت، وأوسان. أما آخر تلك الدول، وهي حمير، فقد اندمجـت في سبأ آخر الأمر لتكون دولة واحدة حمل ملوكها لقب ملك سبأ وذي ريـدان ، وذي ريدان هم حمير.
وقد ارتبطـت بسبأ معظم الرموز التاريخيـة في اليمن القديم. فسبأ عند النسابة هو أبو حمير وكهلان، ومن هذين الوالدين تسلسلت أنساب أهل اليمن جميعأً.
وهجرة أهل اليمن في الأمصار – عند الإخباريين- ارتبطت بسبأ وحتى قيل في أمثال العرب: " تفرقوا أيدي سبأ" ، والبلدة الطيبـة المذكورة في القرآن الكريم هي في الأصل أرض سبأ. ومأرب أشهر مدينة يمنية قديمة – والتي أعتبرها بطليموس الجغرافي الإسكندرية وسط الإقليم المناخي الأول على الأرض – هي عاصمة سبأ لقرون كثيرة. وسد مأرب أبرز رموز اليمن التاريخية القديمة قد أقترن ذكره بسبأ،
قال تعــالى: ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آيـة) [ سبأ:34/15] والآيـة هي سد مأرب وجنتاه.
وقصة المرأة التي طبقت شهرتها الآفاق منذ القدم، والتي ذكرتها التوراة وكتب الأخبار، وكرمت بالذكر في القرآن الكريم لحكمتا وعظمة عرشها كانت ملكة سبأ: ( وجئتك م سبأ بنبأ يقين، إني وجدت أمرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) [ النمل: 27/22-23]. وكانت زيارتها للنبي سليمان عليه السلام في القرن العاشر قبل الميلاد حدثاً تأريخياً سبئياً ظل صداه يتردد إلى اليوم.
ويستفاد من نقش صرواح الكبير أن المكرب السبئي كرب إل وتر بن ذمار علي في القرن السابع قبل الميلاد تمكن من إقامة دولة مركزية قويـة انضوى تحت لوائها كل اليمن تقريباً، وظلت سبأ الدولة الكبيرة الأم حتى مطلع القرن الرابع قبل الميلاد حين خرجت عن سيطرتها مناطق عدة استطاعت أن تكون دولاً مستقلة..
وفي مطلع القرن الثالث الميلادي حاول الملك السبئي شعر أوتر بن علهان نهفان توحيد السلطة في اليمن، ومد نفوذه إلى كثير من بقاع اليمن بما فيها حضرموت. وفي منتصف القرن نفسه حاولت كل من عاصمتي اليمن مأرب، وظفار توحيد قواهما ضد الحبشـة، وتوحيد السلطة إبان حكم الملك السبئي الشهير إلي شرح يحضب، والملك الحميري شمر يهمر.
وفي الربع الأخير من القرن نفسه انتهت دولة حضرموت على يد الملك شمر يهرعش بن ياسر يهنعم، واستطاع هذا الملك أن يوحد الكيانين السياسيين الباقيين وهما سبأ وحمير في كيان واحد، وأقام حكماً مركزياً بعاصمة واحدة، وحمل لقب ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمانة، وحكم اليمن موحداً بعد ذلك حتى دخول الأحباش اليمن في عام 525م للميلاد.
وكان أبرز حكام هذه الفترة وأوسعهم نفوذاً الملك الحميري ( أبي) كرب أسعد بن ملكي كرب يهأمن الذي يعكس لقبـه وحدة الدولة وسعة نفوذها، فهو التبع اليماني أسعد الكامل ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمانة وأعرابهم في طود وتهامة، وكان ذلك في مطلع القرن الخامس لميلادي.
وموجز القول إن سبأ بعاصمتها مأرب كانت الدولة الأم في الألف الأول قبل الميلاد ، وإن حمير هي دولة سبأ وذي ريدان كانت امتداداً لها ، وحمل ملوكهـا اللقب السبئي، وحلت ظفار عاصمة لليمن كله محل مأرب، وكان الصراع بين حكام مأرب وظفار قبل توحيد الكيانين يدور على السلطة المهيمـنة لليمن كله وعلى حيازة اللقب السبئي وإضافاته.
في موكـب الإسـلام:
كان اليمن منذ صدور الإسلام حتى بداية الدويلات المستقـلة عن الحكم العباسي في القرن الثالث الهجري ينتمي إلى الدولة الإسـلامية كسائر الولايات في مركزها ( المدينة) في عهد الرسول وعهد خلفائـه، أو ( دمشق ) في عهد الأمويين ، أو ( بغداد) في عهد العباسيـين.
ففي بادئ الأمر ولي ( باذان) عاملا ً على عموم اليمن، ولما توفي باذان في السنة العاشرة للهجرة قسم الرسول الكريم اليمن إلى ثلاث ولايات رئيسيـة: ولاية صنعاء وأعمالها وأسندها إلى ( شهر بن باذان)، وولاية الجند وأعمالها وأسندها إلى ( معاذ بن جبل)، وأعطي مع ذلك صلاحيـة عامة في عموم مخاليف اليمن، وولاية حضرموت وأعمالها وأسندها إلى ( المهاجر بن أميـة المخزومي) الذي توفى قبل أن يسافر إلى حضرموت، فأمر الرسول ( زياد بن لبيد البياضي) عامل فرع كندة في حضرموت بالقيام بأعمالها، وثمة ولايات فرعية وولاة لها في اليمن كـ( نجران) التي وليعليها ( عمر بن حزم الأنصاري) وغيرها من المناطق الفرعيـة الأخرى التابعـة للولايات الثلاث الرئيسيـة.
ولقد سادت أنحاء اليمن وحدة الوطن والاستقرار والرخاء في عهد الرسول الكريم وعهد خلفائه الأربعـة (11-40هـ/ 620-661م) باستثناء فترات قليلـة حدثت فيها ( حركات الردة) كحركـة ( عبلهة بن كعب بن عوف العنسي) المعروف بالأسود العنسي* وقد استولى بحركتـه على صنعاء وحضرموت ومعظم أنحاء اليمن في آخر عهد الرسول الكريم، وحركة ( قيس بن مكشوح المرادي) (ت37هـ/ 657م) التي قام بها في بداية عهد أبي بكر، وحركة ( الأشعث بن قيس ) في حضرموت.
وكانت اليمن في عهد الخلفاء الأربعـة (11-40هـ/ 620-661م) كأية ولاية إسلامية أخرى، يجمع الوالي فيها كافة الصلاحيات والمسئوليـات ويتبعها ولايات فرعية توزع فيها تلك الصلاحيـات على عدد من الولاة ضمن البلد الواحـد.
وفي العهد الأموي (41-132هـ/ 661-753م) بقي اليمن موحداً خاضعاً للدولة الأمويـة في دمشق رغم أنه شهد العديد من الاضطرابات ، وفترات من عدم الاستقرار وتدهور الأحوال الاقتصاديـة نجم معظمـه عن قسوة ولاة الأمويين، مما تسبب في قيام حركات يمنية مناهضـة، ومن أبرزها ( حركـة عباد الرعيني – ت107هـ/726م) ، و( عبدالله بن يحيى الكندي الحضرمي – ت130هـ/751م).
أما في عهد الدولة العباسية (132-203ه/ 750-828م) فقد تميزت سياسة العباسيين في اليمن منذ بداية هذه الدولة وحتى عهد الخليفـة المأمون بانتهاج سياسة تعيين معظم الولاة من العباس وأقاربهـم مع سرعـة تغيير أولائك الولاة، في الغالب، لسوء سيرتهم، لذلك كانت الحركات اليمنيـة المناهضـة للحكم العباسي.
وفي عام 204هـ/ 819م استطاع محمد بن عبدالله بن زياد أن ينشئ إمارة شبـه مستقلـة عن العباسيين، مرهوبـة الجانب، قوية النفوذ، امتدت سلطتها في اليمن من مدينة حلي بن يعقوب شمالاً حتى عدن وحضرموت والشحر والمهرة وغيرها، وأسس مدينة ( زبيد) عاصمة للدولة، ولم يخرج عن إمارة آل زياد في اليمن إلا بلاد صعدة بعد أن قدم إليها الإمام الهادي ( يحيى بن الحسين في عام 284هـ/897م)*، وبلاد حجـة التي تنازعها ( آل يعفر الحواليـون) ودعاة الاسماعيليـة ( منصور بن حوشب)، ( علي بن الفضل)*.
في عهـد الأئمـة:
لم يتمكن الأئمـة – الذي بدأ عهدهم بالإمـام الهادي ( يحي بن الحسـين بن القاسم* في عام(284ه/897م) وانتهى بالإمام المنصور ( محمد بن أحمد حميد الدين)* بقيام ثورة 226 سبتمبر 1962م من توحيد اليمن عمماً إذ أن نفوذهـم من بداية عهدهم اقتصر على المنطقة الشمالية في اليمن فيما عدا بعض فترات النفوذ، كما حدث في عهد الإمـام أحمد ( الناصر) الذي امتد نفوذه إلى عدم في فترة حكمـه (301-322هـ/913-934م) بينما لم يتمكن من دخول صنعاء، وكان الصراع على الإمامة من أهم أسباب عدم الاستقرار، فلقد كان عدد من الهاشميين يرون في أنفسهم الصلاحيـة للقيام بالإمـامة لمجرد إحساس أحدهم بشيء من الأفضليـة على الآخر، ولم يحدث أن مات إمام ولم يعقبـه إمامان أو أكثر ومنذ أوائل القرن الحادي عشر للهجرة بدأ نفوذ الأئمـة ينتشر في المناطق الجنوبية من اليمن حتى حضرمـوت، كما حدث في عهـد المتوكل إسمـاعيل (1054-1087هـ/1644-1676م) ومن جاء بعده وهم من أسرة آل القاسم، رغم وجود الانتفاضات أو التمرد في كثير من مناطق اليمن شماله وجنوبه.
وظهرت دولة ( آل نجاح) في تهامـة على أنقاض ( آل زياد ) في عام 403هـ/1013م) حتى عام (555هـ/ 1161م)، وبظهور الدولة الصليحيـة التي أسسها الداعي ( علي بن محمد الصليحي)* في عام (429هـ/1038) استعاد الوطـن اليمني كامل وحدته في ظل هذه الدولة، بل أمتد نفوذه إلى الحجـاز، وبسقوط الدولة الصليحيـة فيما بعد وفاة الملكة ( سيدة بنت أحمد الصليحي)* عام (532هـ/1138م) صار اليمن موجزاً على النحو التـالي:
(الأئمـة) في القسم الأعلى من اليمن من بلاد صعدة، وما جاورها، ( آل حاتم) الهمدانيون في صنعاء وأعمالهم (492-569هـ/1099-1161م) وقد اقتطعوا إماراتهم في جسم الدولة الصليحيـة* واستقلوا بها بعد موت الملك ( سبأ بن أحمد بن المظفـر الصليحي)*، ( وآل زريع)* في عدن (460-559هـ/ 1069-1161م)، وفي تهامة إمارة ( آل مهدي) محاولة التوسع إلى مناطق أخرى (553-569هـ/1159-1174م)، ( وإشراف المخلاف السليماني) ومن حكامهم ( آل وهاس) في هذا المخلاف شمال تهامة من بلاد عـسير.
في ظل هذه الظروف المحزنـة ووضع اليمن المجزأ إلى عدة إمارات، جاء الأيوبيون ليحكموا اليمن ما بين (569-626هـ/1174-1229م).
وظهر عهد الرسوليون* على أنقاض الدولة الأيوبيـة* وشغلت فترة مئتين وثلاثين عاماً (626-858هـ/1229-1454م) بدأها الملك المنصور عمر بن علي بن رسول عام 626هـ/1229م الذي استطاع أن يمد نفوذه إلى مكة والمديـنة وحماية الحرمين الشريفيـن، وانتهت بالملك المؤيد الرسولي حسين ( الذي تنافس مع المسعود على السلطـة عام858هـ/1454م.
وقد استطاع العهد الرسولي أن يمد نفوذه على معظم ربوع اليمن باستثناء بعض من أجزاء اليمن في القسم الأعلى منه والذي ظلّ يتنازعه الأشراف والأئمـة، ثم إن تنازع الأسرة الرسولية على الحكم، وانقسامهم على أنفسهم أحدث اضطرابات في عهدهم.. وكان المماليك هم وراء بعض تلك الانقسـامات، وبالإضـافة إلى اضطرابات أخرى للتعبير عن الظلم الذي لحق بالناس من الولاة.
وكما استولى ( بنو رسـول ) على الحكم في اليمن من الأيوبيين بعد أن كان الرسوليون نواً وعمالاً لهم.. كذلك استولى ( بنو طاهر )* على الحكم في اليمن من بني رسول بعد أن كان الطاهريون نواباً وعمالاً للرسوليين، وكانت دولتهم في الفتـرة (858-923هـ/1454-1174م). وقد حاولت دولتهم أن تمدّ نفوذها على أنحاء اليمن ، ولكن صراعهم مع الأئمة في القسم الأعلى حال دون ذلك.ز كما أن دولة ( بني طاهر ) حاولت دون تقدم الأئمة في المنطقـة والمنطقتين الجنوبية والشرقيـة.
وظهر المماليك على الساحة اليمنية بحجة مواجهـة البرتغاليين واستغلوا الصراع بين الملك عامر بن عبدالوهاب والإمام شرف الدين الذي استنجد بهم لمواجهـة ( آل طاهر) وكان عامر بن عبدالوهاب قد نجح إلى حد كبير في إضعاف نفوذ الأئمة ومد نفوذه إلى الجهات الشمالية وعدن وسائر المناطق الجنوبيـة والشرقيـة وإلى تهامة حتى حلي بن يعقوب في المخلاف السليماني،























